عبد الله حمدوك هل هو حقاً الرجل المناسب في المكان المناسب؟


عبد الله حمدوك هل هو حقاً الرجل المناسب في المكان المناسب؟

بعد ثورةٍ أطاحت بحكم البشير في السودان، وفي ظل الأوضاع السيئة على كافة الأصعدة التي يعاني منها السودان، توصلت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى اتفاق لترشيح عبد الله حمدوك رئيساً لمجلس الوزراء الجديد الخاص بالحكومة الانتقالية، حيث قام بتأدية اليمين الدستورية في الواحد والعشرين من شهر آب لعام 2019 ليكون أول تصريح له في مطار الخرطوم بعد عودته من إثيوبيا.
هو من مواليد كادوقلي - السودان عام 1956، وعاش فيها حتى نال درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة الخرطوم، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه في العلوم الاقتصادية في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة. بدأت مسيرته المهنية في عام 1981، فور حصوله على البكالوريوس في الخرطوم. فعمل في وزارتي المالية والزراعة، ودخل في مناصب مهنية عديدة انحصرت في الاقتصاد، حتى مغادرته للسودان في بداية تسعينيات القرن الماضي، وبقي بعيداً عنها طوال هذه الفترة.
قضى حياته المهنية في شغل مناصب عديدة في إفريقيا وتحت مظلة الأمم المتحدة، إلى حين عودته إلى السودان لأداء القسم كرئيساً للوزراء، دون أن يكون له خلال فترة إقامته خارج السودان أي اهتمام ببلده.
غادر حمدوك البلاد ولم يحاول العود إليها سابقاً، وبذلك كان قد اختار الطريق السهلة، وإن كان قائداً سياسياً بالفعل، كان من الأحرى به البقاء في بلاده ومتابعة الأمور عن كثب، وتقلّد المنصب السياسي وهو في الداخل ليبدأ مسيرته التي يرغب بها في عملية إصلاح الأوضاع المتردية في السودان، حيث شهد العالم العديد من القادة الذين ناضلوا من أجل استقلال وحرية بلادهم، وكان نضالهم من أرض الواقع، مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالشعب، يعانون معاناته ويرفضون غض النظر عن متطلباته، بل يقاسموهم مرارة الواقع السياسي والاقتصادي في ظل الاستبداد السياسي.
وبعيداً عن ذلك، نجد من الضروري أن نتصفّح سريعاً الحنكة السياسية المطلوب توافرها في أي قائد، فقد غاب هذا الأمر عن حمدوك تماماً، فلم يكن مهتماً بالسياسة الفاعلة، وإنما كان اهتمامه بها مطوياً تحت قبعات الجهات التي كان يتبع لها خارج السودان، فلم يسمع الشعب السوداني يوماً تصريحاً له من الخارج يشعرهم به بأنه ابن السودان الذي يتابع أوضاع وطنه ويتطلّع لليوم الذي سيتمكّن فيه من العودة لوضع خطط منهجية واقعية للنهوض بالاقتصاد واقتلاع الفساد من جذوره.
وعندما أتيحت له الفرصة، وأتت إليه على طبق من ذهب دون عناء أو جهد، لم يتردّد في العودة إلى بلاده لتسلم رئاسة الوزراء وكأنَّ الشعب السوداني قد عانى طوال هذه الفترة وبقي مصمماً حتى قامت ثورته ليأتي حمدوك بطائرة بالدرجة الأولى ليتنعّم من جديد بالشهرة والأضواء.
إذاً يمكن الجزم بأنَّ القادة الذين ناضلوا من داخل السودان، ومع الشعب جنباً إلى جانب، هم على علمٍ ودراية أدق بكثير من دراية حمدوك بأوضاع السودان، فكيف لمن غاب قرابة العقدين عن بلاده أن يكون في صورة الواقع المتردي، لا وبل سيحتاج الوقت الكثير لفهم ماهية الأزمات في السودان، قبل أن يتمكّن من البدء في تقديم الدعم لبلاده، وبالطبع الوضع في السودان لايحتمل بأي شكل من الأشكال المزيد من الوقت والصبر، فالأحوال تزداد سوءاً والشعب السوداني نفذ صبره وهو يرى بأنَّ كل شيء يتقدّم للخلف، لا ولن يقبل هذا الشعب بأن تتلخص نتائج ثورته في تحقيق أحلام حمدوك فقط بتقلّد المناصب والشهرة الواسعة.
وإن ألقينا نظرةً عن كثب لكافة المجريات منذ تولي حمدوك لرئاسة الوزراء سنرى بشكل واضح لايحتاج التأويل أو التحليل التخبطات الكثيرة التي وقعت بها حكومة حمدوك، هذه الحكومة التي تم تأخير تشكيلها مرات عديدة، وعندما تشكّلت كان وصمة عار من حيث اختيار الأشخاص غير المناسبين لتولي إدارة الأزمة، فلا تعاون بينهم ولاتفاهم، وكلّ يعمل على حدا، إلى أن قامت حكومة الظل التي كانت إشارة واضحة إلى عدم الثقة بحكومة حمدوك.
وبمراجعة سريعة يمكن للجميع قراءة التطورات في السودان في فترة تولّي حمدوك، فالأخطاء الاقتصادية كارثية والسياسية معقدّة، دون أي تقدم ملحوظ. بل على العكس تفاقمت أزمات الاستيراد والتصدير، ونقص الخبز، وأزمات المواصلات والمعيشة والأجور.
لقد باتت خيبة الأمل واضحة في عيون السودانيين، هؤلاء الذين عانوا وصبروا ومضوا بثورتهم للإطاحة بالبشير، فكانت النتيجة وصول حمدوك للسلطة الذي حوّل السودان إلى حقل اختبارٍ واحتمالات، فهل الشعب السوداني لديه المزيد من الصبر إلى أن يتقن حمدوك الحنكة السياسية المطلوبة للنهوض بهذا البلد؟ وهل يحتمل السودان هدر الوقت إلى حين إلمام حمدوك بشؤون السودان والثغرات الإدارية والاقتصادية والخلل في أجهزة الدولة؟
الحقيقة الوحيدة في بلدنا أنَّه في تراجع مستمر على كافة الأصعدة، وأنَّ الحكومة الحالية تعمل في جانب بعيد كلياً عن الواقع، وأعضاء الحكومة أنفسهم كل منهم يعمل بشكل مستقل عن الآخر!! وحمدوك في ترحال وتنقل مستمر، وفاقد للسيطرة كليّاً.

Комментарии

Популярные сообщения из этого блога

الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي

الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.

تداعيات كورونا