تداعيات كورونا

كثيرة هي الدروس والمعلومات الصادمة التي نستطيع استخلاصها من أزمة فيروس كورونا الذي اجتاح كل دول العالم، ولعل الأمر الاكثر اثارة للاستغراب هو تعاطي الاتحاد الاوروبي مع الوباء وانغلاق دول الاتحاد على نفسها، وعدم تقديمها المساعدة لبعضها البعض، وخصوصا لايطاليا التي هي من أكثر الدول تضررا من كورونا من حيث أعداد الاصابات والوفيات الكبيرة. وكأن الاتحاد الاوروبي ظهر على انه اتحاد وهمي، فوصل الأمر ببعض سكان ايطاليا لحرق أعلام الاتحاد الأوروبي ورفع أعلام الصين التي قدمت لايطاليا مساعدات سخية لمحاربة المرض.
من ناحية أخرى ظهرت الولايات المتحدة عاجزة عن محاربة المرض بفعالية على الرغم من كونها الدولة العظمى الاولى في العالم، ونجد دولاً أخرى تتخذ استراتيجية مختلفة تماماً فبدلا من العزل الصحي وفرض الغرامات على الخارجين من منازلهم، تقوم بالاعتماد على تشكيل مناعة القطيع في المجتمع وكون جسم الانسان يصنع بنفسه مناعته الخاصة للمرض.
كوبا الدولة المحاصرة لعقود ذات القطاع الصحي العام ترسل أطبائها وممرضيها الى دول الاتحاد الاوروبي المتقدمة للمساعدة على محاربة المرض، وذلك رغم الحديث الشائع حول فشل القطاع العام وفشل التجربة الاشتراكية.
أما الصين نفسها فقد حاصرت المرض بقبضة من حديد، منذ الأيام الاولى ولم تستمع لأصوات الدول التي كانت تتوقع فشل الصين بالتعامل مع المرض على أساس انها دولة شمولية.  
والآن يعتقد الكثيرون أن العالم من الناحية السياسية سيتغير جذريا وستتغير التحالفات الأقليمية والدولية، وسينطبق مبدأ (الصديق وقت الضيق) على السياسة الدولية والعلاقات بين الدول. لا شك أن احتمال انهيار وتفكك الاتحاد الأوروبي على خلفية كورونا هو احتمال ضئيل، لكن قد تضعف العلاقات بين دول الاتحاد، فلن تنس ايطاليا مثلا كيف تركتها باقي الدول كالمانيا وفرنسا في وقت الحاجة، بينما الصين قدمت العون والمساعدة.
والتوقعات حول شكل العالم ما بعد كورونا متباينة بشكل كبير، فمن ناحية يتوقع البعض ان دول العالم ستصبح أكثر انغلاقا والدول ستعزل نفسها، وجزء من هؤلاء يذهب لحد القول أن ازمة كورونا ستنهي حقبة العولمة والانفتاح واننا سنعود لعالم يشبه ذاك الذي كان في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
ومن ناحية أخرى يرى محللون آخرون انه على العكس، سيدرك العالم ضرورة الانفتاح أكثر والتنسيق والعمل المشترك بشكل أكبر من أجل مواجهة أي أزمة مشابهة في المستقبل، وبالتالي المزيد من الانفتاح وحتى الاتحاد بين الدول.
شخصياً لا اتوقع أن يكون هناك تغيير جذري وكبير على الساحة العالمية والعلاقات الدولية بعد خروجنا من ازمة كورونا، لكن ان كان سيحصل هناك تغيير ملحوظ، فهو حتما سيكون لصالح العولمة والانفتاح، وهذا امر جيد، فالعودة الى عالم تسوده التكتلات المغلقة له تبعات سلبية وخصوصا من ناحية امكانية نشوب الحروب والصراعات.

Комментарии

Популярные сообщения из этого блога

الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي

الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.