الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.
يقال بأن الدول
العربية ومن بينها السودان طبعا، ودول ما يسمى ب العالم الاسلامي بشكل عام تتميز
بكونها دول شابّة، أي نسبة الشباب والمراهقين فيها كبير، ويتم عرض هذا على انه أمر
ايجابي، من حيث كون الشباب أكثر قدرة على العمل والانتاج من الكهول والشيوخ.
وأصحاب هذا الموقف المتفائل طبعاً يوردون أوروبا كمثال على انخفاض مستوى الزيادة
السكانية، بل وحتى انخفاض أعداد السكان بشكل عام بسبب كون أعداد الوفيات تتخطى
اعداد الولادات.
لكن وللأسف يتجاهل
هؤلاء الجوانب السلبية لهذا الواقع، فنسبة كبيرة من هؤلاء الشباب عاطلون عن العمل،
أو يعانون الفقر والجهل. حتى ان البنية التحتية من مؤسسات تعليم وصحة لا تستطيع
استيعاب الزيادات الكبيرة بالسكان، ناهيكم طبعاً عن ضعف هذه المؤسسات وتدني
مستواها، بما في ذلك في السودان. لذلك لا شيء يدعو للتفاخر هنا.
علينا أن نعترف
بأن الانسان العربي بما في ذلك في السودان، وبشكل أوسع في دول العالم الثالث ليس
واعياً عندما يتعلق الأمر بتكوين أسرة وانجاب الاطفال، طبعا لا يجوز التعميم ولكن
الحالة العامة هي عبارة عن تكاثر أعمى تلقائي وعشوائي دون مراعاة للوضع الاجتماعي
والاقتصادي والمعيشي في هذا البلد أو ذلك.
فالأب والأم بعد
الزواج يقومون بانجاب الأطفال دون أي تخطيط مسبق، ودون اي تفكير حول كيفية تأمين
الصحة أو التعليم أو حتى الطعام لهؤلاء الاطفال، في الوقت التي هذه الأسرة، وخصوصا
في السودان في هذه الفترة، وحتى دون أطفال تعاني من صعوبة في الحصول على الطبابة
والمواصلات والطعام وكذلك الوقود والماء والكهرباء. وهذا في المدن الكبرى وحتى
العاصمة الخرطوم، فما بالكم بالأرياف أو حتى مخيمات اللجوء التي نرى فيها كل أسرة
مع ستة أو سبعة اولاد يركضون حفاة شبه عراة!
ان انجاب الاطفال
والتكاثر في ظل هكذا ظروف هو ليس فقط عمل غير واعي وغير
مدروس، بل وانه من ناحية انسانية يكاد يكون جريمة يقترفها الأهل بحق أطفالهم،
لانهم ينجبونهم في المخيمات حيث المعاناة وغياب الطعام والشراب والخدمات الصحية.
الانسان يمتلك عقلاً ويجب تشغيله ولو من حين لآخر، فان كنت أخي الانسان لا
تستطيع اعالة أكثر من طفل أو طفلين، فيجب أن تمتنع عن انجاب عشرة أطفال! وخصوصا في
ظروف سيئة. أرى ان الزوج والزوجة عليهما مسؤولية دراسة الوضع الراهن والبيئة
المحيطة قبل الاقدام على قرار انجاب اطفال، بما في ذلك التأكد من امكانية تأمين
الطعام والشراب والمدرسة والجامعة والخدمات الصحة لهؤلاء الاطفال.
وبالاضافة الى العامل الشخصي المذكور سابقا، يجب الا ننسى العامل الاجتماعي
والثقل الذي يقع على كاهل الدولة والحكومة، من حيث تطوير وتوسيع خدمات التعليم
والصحة بما يتماشى مع زيادة الطلب السريع عليها، وهو الامر الصعب في بلد كالسودان
وفي الدول المتخلفة، وذلك مهما كانت هذه الحكومة أو السلطة صادقة وتعمل بكل
طاقتها، تبقى زيادة السكان الكبيرة عاملاً سلبياً يعيق التطور الاقتصادي
والاجتماعي في البلدان.
نحن هنا لا ندعو الى حظر انجاب أكثر من طفل كما حصل في الصين، فهذا سيؤدي
على الارجح الى حالات اجهاض بحال الاناث لأننا في مجتمعنا الذكوري نقدس الذكر
ونعتبر الانثى عارا، لكن هذه قضية اخرى. بل ندعو الى توعية الناس في المدارس
والجامعات والاكثر أهمية في مخيمات اللجوء، حول الانجاب وبناء الاسرة والدعوة الى
جعل عملية انجاب الاطفال عملية واعية وخيار منطقي وعقلاني تقوم به الام والأب،
وليس كما هو الان عملية غرائزية تلقائة غير واعية، ذلك لأن الانسان كائن عاقل، أي
كما يقال ميزه الله بالعقل، لكن العقل ليس زينة بل اداة يجب استخدامها!

Комментарии