أزمة الوعي في السودان

يشهد السودان في هذه الأيام والسنوات التي خلت، مجموعة كبيرة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بدأت في حقيقة الأمر حتى قبل مجيء البشير وجماعة الاخوان المسلمين الى السلطة، ولكن لكي لا نعود كثيراً بالتاريخ، يمكن النظر الى حال السودان منذ العام 2011 وتحديداً عند انفصال الجنوب، ولم يعد خافياً على أحد أن سياسة فرض الشريعة الاسلامية على المجتمع كانت السبب الأساسي لتقسيم السودان الى دولتين ولتشكل العديد من الحركات المسلحة التي وقفت ضد حكم الاخوان والبشير.
ومن هنا درس واضح كان يجب ان نتعلمه أنه لا يجوز بأي شكل من الأشكال فرض أي دين أو معتقد بالقوة على المجتمع، وان الدولة المدنية المتحضرة تعني احترام حرية المعتقد واختيار الدين وفصل الدين ومؤسساته عن الدول ومؤسساته، لكن ومع الأسف على مايبدو مازال هناك في بلدنا من هم يصرون على الرجوع بنا الى الخلف وتحويل السودان مجددا الى دولة أسوأ من أفغانستان طالبان!
من ناحية أخرى لدينا المشاكل الاقتصادية والمعيشية التي بتنا نعرفها ونحس بها جميعاً وهي أزمة الوقود والبنزين والخبز والغاز، وما يرافقها من ارتفاع جنوني لأسعار هذه السلعة الرئيسية وللطوابير الطويلة عليها.
لكن علينا ان ندرك ايضاً أن كل هذه الأزمات الاجتماعية والاقتصادية انما نابعة بالمقام الاول من أمة الوعي والعقل الجمعي في مجتمعنا، فأزمات الاقتصاد والمواد الاستهلاكية تتعلق بأزمة الأخلاق وخصوصا بالفساد والسرقة والنهب واستغلال الانسان للانسان وهي من طبعا جزء من أزمة الوعي في المجتمع، وخصوصاً على ضوء النفاق الاجتماعي الذي امتد لثلاثين عاماً وتجلى بمظاهر التدين واتباع الدين والعادات والتقاليد والتي كانت أيضا في نفس الوقت شعارات فارغة رددها النظام السابق منذ استيلائه على السلطة. أي بمعنى اخر كنا نعيش حالة من الفساد الاخلاقي من سرقة واحتيال ومحسوبيات وواسطات لكن مغلفة بغلاف رقيق من المظاهر والقيم الدينية...
فالواسطات والفساد ونهب اموال البلد كانت أموراً مقبولة لدي حفنة الاخوان في السلطة وكذلك لدى جزء كبير من الشعب، اما حرية المعتقد لدى سكان الجنوب او إمرأة تلبس بنطالاً فكان أمراً غير اخلاقياّ! أي كنا نعيش بحالة من النفاق الاجتماعي وانقلاب المفاهيم.
أيضاً يجب التأكيد على أن الازمات الاقتصادية متعلقة ليس فقط بالفساد او سرقة الأموال أو احتكار السلع او العقوبات الاقتصادية، بل وأيضا العقل الجمعي والتقاليد والعادات المجتمعية المبنية عليه، وأهم مثال على ذلك هو طبعاً ارتفاع نسبة الزيادة السكانية وارتفاع نسبة الولادات وخصوصا في الاماكن الريفية والفقيرة ومن بينها المخيمات، فمن غير المنطقي ومن غير المسؤول ان نجد عشرات الأطفال الصغار في شوارع المدن والاحياء الفقيرة ناهيكم عن المخيمات، لأنه على الأهل وخصوصا الفقراء ادراك ان انجاب الاطفال في ظل هكذا ظروف اقتصادية معيشية، هو أمر سيء ويشكل حتى جريمة بحق هؤلاء الأطفال أنفسهم عندما تقوم بانجابهم في هكذا ظروف.
ثم لاحقا يعاني السودانيون من مشاكل تتعلق بتأمين التعليم المناسب والطبابة وحتى اللباس والطعام والشراب لأسرهم، واحد الاسباب الرئيسية لذلك هو عدد أفراد الأسر الكبيرة، ووجود 5 أو 6 أو أكثر من الاطفال في الأسرة الواحدة.
لذلك يجب العمل على توعية الناس وجعل التكاثر وانجاب الطفال أمراً خاضعا للتحليل المنطقي للظروف المحيطة وخصوصا الاقتصادية منها، أي كل انسان وانسانة يخططون لحياتهم الزوجية بشكل واعي ومسؤول بدلاً من القيام بانجاب عدد ضخم من الأطفال وبشكل عشوائي ومن ثم التباكي بسبب ظروف الحياة القاسية! وطبعا من الممكن ادخال برامج توعية حول هذه الامور في المدارس وكذلك الى جانب المساعدات الانسانية في المخيمات يمكن القيام بندوات ومحاضرات حول ضرورة الامتناع عن الانجاب أو على الأقل خفض حالات الانجاب للحد الأدنى.
الى جانب ذلك علينا البدء باصلاح جذري للمناهج المدرسية ولزيادة حصص العلوم التطبيقية على حساب المناهج الدينية وكذلك قد يكون من المفيد ادخال مادة ومنهاج خاص للمنطق لكي تتعلم الاجيال التفكير المنطقي العلمي وتحليل الامور بدلاً من القيام بتخدير عقول الاطفال بامور دينية متطرفة.
يمكن ذكر العديد من القضايا التفصيلية ضمن هذا السياق، وسنجد انها كلها متعلقة بالوعي الجمعي للمجتمع والسكان، مثلاُ الفساد لا يمكن ان يزدهر لولا ثقافة أخذ واعطاء الرشاوي، أو حالة التبعية والقبيلة والتي تشكل عائقاً كبيراً أمام تطبيق مبدأ (الشخص المناسب في المكان المناسب) وذلك في كافة نواحي الحياة وعلى كافة مستويات الهرم الاجتماعي والمؤسساتي في السودان.
وهنا أيضا الوعي يلعب دوراً، فالآن المسؤول في الحكومة او الدولة او حتى على مستوى شركات او مؤسسات خاصة يكون أكثر ميلاُ لتعيين موظفين ومساعدين له بناء على انتمائهم القبلي او الأسري وان يكونوا أقرباء له، وذلك بدلاً من اختيار ذوي الكفاءة والذين يصلحون لهذا المنصب أو ذاك. أما الوعي الجمعي فهو يرى في هذه الظواهر أمراً طبيعياً أو معتاداً وهذه من علائم أزمة الوعي الجمعي الاجتماعي التي نعيشها.
علاج أي مرض يبدأ أولاً بالتشخيص الصحيح للمسببات والاعتراف بوجود أعراض خطيرة لهذا المرض. وكذلك الأمراض الاجتماعية، فان لم نتقنع ان الظواهر مثل التكاثر العشوائي، توريث الدين الاجباري، المحسوبيات المبنية على الانتماء، ثقافة الرشوة والارتشاء وغيرها الكثير، هي في المقام الأول ظواهر سلبية وانها من اعراض أزمة الوعي.
حل هذه الازمة لا يمكن أن يأتي من الخارج، فلن تحلها المساعدات الاقتصادية او القروض، ولا الشخصيات المتعاقبة على السلطة، وحتى ان تشكلت في السودان سلطة نزيهة خالية من المتسلقين والاسلاميين والطغم العسكرية، فلن ينهض السودان الا اذا كانت هناك حركة ايجابية من أسفل الهرم الاجتماعي، أي من الأسرة ومن المدارس والجامعات، ومن كل انسان على حدة.

Комментарии

Популярные сообщения из этого блога

الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي

الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.

تداعيات كورونا