الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي
قرأتُ مؤخرا خبرا
عن حالة شغب جديدة في صفوف مشجعي كرة القدم، هذه المرة في الامارات. طبعا منذ فترة
وجيزة كانت هناك حالات شغب في السودان اثناء احدى المباريات ...
وهذا دفعني للتفكير بهذه الظاهرة الهمجية وتفشيها في كل دول العالم، وليس فقط في الدول العربية او السودان، ففي ألمانيا مثلاً (التي تعتبر دولة حضارية وشعب حضاري!) أيضا كثيرا ما تشهد ملاعبها حالات شغب وصدامات مع الشرطة، وكذلك كل الدول الاوروبية.
وهذا دفعني للتفكير بهذه الظاهرة الهمجية وتفشيها في كل دول العالم، وليس فقط في الدول العربية او السودان، ففي ألمانيا مثلاً (التي تعتبر دولة حضارية وشعب حضاري!) أيضا كثيرا ما تشهد ملاعبها حالات شغب وصدامات مع الشرطة، وكذلك كل الدول الاوروبية.
اذا فحالة الشغب
في الملاعب ليست متعلقة بالعقلية الجمعية في هذا المجتمع او ذلك، او العادات
والتقاليد فيه، بل هي حالة نابعة من الطبع الهمجي والبدائي للانسان بشكل عام،
خصوصا عندما يكون هذا الانسان ضمن قطيع أو جماعة، ويكفي تفعيل محفّز نفسي أو عاطفي
معين لكي يتحول الانسان من شخص عاقل يحلل ويفكر في دوافع وأسباب أفعاله ونتائجها
المحتملة، الى كائن حي مُخدّر عقليا يسهٌل التلاعب بعقله وتحويله لنوع من
(الزومبي) الهائج الذي يقوم بتحطيم مقاعد الملاعب ورمي الحجارة والعصي باتجاه
مشجعي الفريق الآخر او تجاه اللاعبين أنفسهم.
أذكُر أنني سالت
أكثر من مرة رفاقي الذين كانوا يحضرون المباريات، وبعضهم شهد مثل هذه الحالات من
الشعب، وأحدهم أعترف لي انه قد شارك فيها وكان يرمي الكراسي البلاستيكية، ولقد
استغربت نوعا ما كونه شخص واعي وجامعي مثقف، وعندما سألته حول السبب الذي دفعة
للقيام بهكذا أعمال، كان جوابه المنطقي الوحيد، بعد ابتسامة حائرة لمدة عدة ثواني،
انه قام برمي الكراسي والعصي لان كل من حوله كانوا يقومون بذلك!
والامر مشابه
أثناء حضور بعض المحاضرات الدينية او السياسية أو الخطب التي يقوم بها السياسيون
أو تجّار الدين الذين يعمدون الى اثارة عواطف الحضور وغرائزهم من أجل أن تسهل السيطرة العقلية عليهم والتحكم بهم كقطيع هائج مُطفئة هي
عقول أفراده!
وهنا نأتي الى المغزى من كل هذا الكلام، وهو طريقة
الوقاية من الانقياد الاعمى والوقوع في شرك أي قطيع او جماعة تقودها الغرائز
والانفعالات غير العقلانية. طبعا افضل وقاية هو عدم الانقياد وراء اي جماعة او
تيار بالمقام الأول، اي عدم اتباع عادات او تقاليد او اعراف معينة فقط لانها
السائدة في المجتمع، وعدم فعل شيء ما فقط لان جيرانك او أصدقاءك أو اهلك يفعلونه!
أي بمعنى آخر ان تتذكر دائماً انك تبقى في نهاية
المطاف شخصا مستقلا عن الآخرين، وان لك عقلا قادرا على التمييز بين الخطأ والصواب،
وأنه بمقدورك تحليل أفعالك السابقة والتي قد تقوم بها مستقبلاً وتفهم الدوافع التي
تقف خلفها.
تخيل مثلا لو انك تشاهد مباراة كرة قدم في الملعب،
وكان الامر هادئاً ولا احد حولك يرمي العصي او الكراسي او يصرخ حتى، فهل كنت
ستبادر بنفسك الى القيام بمشاغبات وتكسير وتحطيم؟ الجواب واضح: على الأرجح لا.
لذلك فعامل الجماعة والقطيع يلعب دورا أساسيا في تحفيز سلوك العدوانية والهمجية
خلال المشاجرات في الملاعب، وكذلك خلال أي حدث أو تجمع من نوع آخر.
صحيح ان الانسان يبقى كائناً اجتماعياً لا يمكنه
البقاء منعزلا عن الاخرين، لكن يجب ان تكون افعال واعمال الانسان مبنية على
التحليل الذاتي المنطقي للدوافع والاهداف، لا ان تكون أسيرة ومرتهنة للعادات أو
التقاليد الاجتماعية أو لسلوك قطيع معين، والا سنكون مثلنا مثل باقي الثديات
والحيوانات رباعية الاطراف التي تفتقر الى العقل التحليلي وتعتمد فقط على الغريزة.

Комментарии