من اللهجة العامية الى اللغة العربية الفصحى
يبدو أننا وصلنا في السودان لمرحلة أصبح فيها طالب المدرسة أو حتى الجامعة
لا يدرك الفرق بين اللغة العربية الفصحى وبين اللهجة المحليّة، وهذا طبعاً سببه
ضعف مستوى اللغة العربية الفصحى بشكل عام. لكن مايثير القلق هو انه الى جانب
الأخطاء الإملائية والنحوية الشائعة، هناك ظاهرة سلبية جديدة وهي ان يكتب الشخص
شيئاً ما أو كلمة ما معتقداً أنها بالعربية الفصحى ولكن بالحقيقة تكون هذه الكلمة لا
تمت الى العربية الفصحى بصلة.
فمثلاً يُطلب من أحد طلاب الجامعة أن يكتب نصاً قصيراً أو قصة لا تتعدى
صفحة واحدة، لكن بنسختين، الأولى باللهجة العاميّة الدارجة، والنسخة الثانية
بالعربية الفصحى، وبالنتيجة نحصل على نسخ متشابهة مليئة بالأخطاء الكارثية.
صحيح انه يمكن غض النظر عن الأخطاء في النسخة المكتوبة باللهجة العامية
والقول انه لا بأس كونها لهجة عامة الناس، لكننا بتنا نجد في نصّ مكتوب بالعربية
الفصحى (كما يعتقد مؤلفه!) أخطاءً مثل: (هاذا بدلاً من هذا، هوناك بدلاً من هناك،
ايلا بدلاً من الى ... الخ) وعشرات الأخطاء من هذا المستوى، الى جانب طبعاً أخطاء
كتابة أو عدم كتابة ال التعريف في المكان الصحيح وأخطاء توافق العدد مع المعدود والهمزات
وغيرها الكثير.
وعلينا أن نعترف ان هذه مشكلة كبيرة، فالكل يعلم تماماً اننا لا نستطيع
استبدال اللغة العربية الفصحى باللهجة المحلية السودانية، تماماً كما لم ولن تستطع
أي دولة عربية أخرى استبدال الفصحى باللهجات السائدة في مجتمعاتها، وأكبر دليل على
ذلك هو ان كل الدول العربية تعتبر اللغة العربية لغة رسمية لها، واننا عندما نكتب
(والبعض منا يحاول!) وثائق رسمية او معاملات، فانها تكون بالفصحى.
لكننا شيئاً فشيئاً نفقد قدرتنا على الكتابة والنطق باللغة العربية الفصحى،
وأحياناً حتى القراءة! وذلك حتى على مستوى المدارس والجامعات، ناهيكم عن المسلسلات
العربية التي تنخفض نسبة استخدام الفصحى فيها عاماً بعد عام، وحتى الرسوم المتحركة
(أفلام الكرتون) فقد كانت قبل عشرين عاماً أو أكثر تقريباً كلها باللغة الفصحى
ومدبلجة ومترجمة بشكل رائع ومتقن الى العربية، حيث كان الأطفال في بداية تعلّمهم
الكلام يستخدمون المصطلحات العربية الفصحى أكثر من آبائهم، وذلك حتى قبل دخولهم
الى المدرسة! أما اليوم فالأمر على النقيض تماماً.
لذلك يجب العمل على عرض البرامج التلفزيونية بأنواعها باللغة الفصحى
والتركيز على ذلك، وفي نفس الوقت رفع كفاءة صفوف ومحاضرات اللغة العربية الفصحى في
المدارس والجامعات وذلك عن طريق وضع معايير محددة من بينها أن مدرّسي اللغة
العربية يتوجب عليهم أثناء الدروس والمحاضرات التحدّث بالفصحى حصراً، كما في حصص
ومحاضرات الانكليزية حيث يجب ان يتحدثوا الى طلابهم بالانكليزية طوال الوقت ان
أمكن ذلك، وهذا الأمر ليس صعباً على الاطلاق، بل هو ضروري وله تأثير ايجابي كبير
وحتماً سيعطي نتائج أفضل بكثير من تعليم اللغة العربية الفصحى والانكليزية وغيرها
باللهجة العامية السودانية!
والأمر هنا ليس تعصباً أعمى للعربية الفصحى وطعناً باللهجات العامية، وذلك
يتوجب توضيح مسألتين في هذا الصدد:
أولاً، رفع مستوى اتقان اللغة العربية الفصحى لا يتم على حساب خفض مستوى تدريس اللغات الأجنبية كالانكليزية، فنحن ندعو الى العمل وفقاً لاستراتيجية وطنية لرفع مستوى اتقان اللغتين العربية الفصحى والانكليزية معاً ومنذ الصفوف الدراسية الأولى.
أولاً، رفع مستوى اتقان اللغة العربية الفصحى لا يتم على حساب خفض مستوى تدريس اللغات الأجنبية كالانكليزية، فنحن ندعو الى العمل وفقاً لاستراتيجية وطنية لرفع مستوى اتقان اللغتين العربية الفصحى والانكليزية معاً ومنذ الصفوف الدراسية الأولى.
ثانياً: الأولوية يجب أن تكون للفصحى على حساب اللهجات كافة، أي أننا نريد
مواطنا سودانيا مُتقناً للغة العربية الفصحى أفضل وأجمل إتقان، كتابةً وسماعاً
وحتى نُطقاً. لا ندعو لاجبار أحد على التحدّث بالفصحى، لكن ان تكون اللهجة بمثابة
اضافة سودانية خاصة الى جانب الفصحى وليست بديلاً عنها.
لأنه ان تركنا الوضع الحالي كما هو، فسوف ينتهي الأمر بالمجتمع السوداني
الى الانعزال ليس فقط عالمياً ودولياً بل وأيضاً على مستوى المحيط العربي، وسيُقال
أنه في السودان يتكلمون اللغة السودانية وليس العربية! فنحن الآن في أواخر قائمة
الدول العربية من حيث مستوى اللغة العربية والتعليم بشكل عام، وان لم نقم بعمل جاد
ودؤوب على احداث نهضة حقيقية في المجال التعليمي وخصوصاً فيما يخص اللغة العربية،
فان الوضع سيزداد سوءاً.
الغاية من هذا المقال ليست فقط تسليط الضوء على تقصير السلطات المعنية أو
تحميل المسؤولية على النظام الاخواني السابق الذي دمر الحجر والانسان بكافة
النواحي ومنها ثقافياً، بل وأيضاً التأكيد على ان النهضة الثقافية والحضارية بما
فيها الجانب اللغوي تعتمد بالمقام الاول على الانسان كفرد، فالمعلم في مدرسته
يستطيع القيام بدور كبير، والأب والام في الأسرة يستطيعون ايلاء اهتمام بتعليم
أطفالهم اللغة العربية، وفي الجامعات يمكن للطلاب القيام بمبادرات من هذا النوع،
يمكن مثلاً تخصيص يوم كامل في الاسبوع للحديث بالفصحى فقط، صحيح انها فكرة قد تبدو
غريبة للوهلة الاولى، ولكنها فكرة واقعية وعملية وقابلة للتطبيق لو أردنا ذلك.
من غير المجدي انتظار حل كل المشاكل من قبل من هم بالسلطة، فهم حتى ان
صدقوا النية، وحاولوا حل كل المشاكل، فلن يستطيعوا ذلك، وخصوصاً ان لم تكون هناك
مساهمة أو على الأقل رغبة شعبية واقتناع عام بوجود هذه المشكلة أو تلك.
فهناك قضايا ومشكلات اجتماعية ومن بينها المستوى الثقافي العام، لا يمكن أن تحل ما لم يكن هناك عمل جاد، أو على الأقل محاولات تأتي من كل فرد، من كل انسان، من كل أسرة. لا يجوز الاعتماد في كل شيء على الحاكم أو السلطة أو انتظار حلول سحرية من الأعلى. لذلك لنحاول على الأقل العمل على حفظ لغتنا العربية وإتقانها.
فهناك قضايا ومشكلات اجتماعية ومن بينها المستوى الثقافي العام، لا يمكن أن تحل ما لم يكن هناك عمل جاد، أو على الأقل محاولات تأتي من كل فرد، من كل انسان، من كل أسرة. لا يجوز الاعتماد في كل شيء على الحاكم أو السلطة أو انتظار حلول سحرية من الأعلى. لذلك لنحاول على الأقل العمل على حفظ لغتنا العربية وإتقانها.
\
Комментарии