هجرة العقول: بين نظرية المؤامرة والواقع والمعقول!


منذ صغرنا ونحن نسمع عبارة "هجرة العقول" من الدول العربية الى الغرب، بما فيه من السودان، وكثيرة هي الحوارات التلفزيونية على القنوات العربية التي تتحدث ومنذ عشرات السنين عن مشكلة هجرة العقول وخطرها على العالم العربي.
وكعادتنا في الدول العربية لا نستطيع الا ان نلقي اللوّم على الغرب المتآمر وعلى المؤامرة الصهيونية الاميركية وعلى الموساد الاسرائيلي، وبأن قوى الشر هذه تسعى على الدوام الى افراغ عالمنا العربي من كافة العقول والكفاءات المميزة لابقائنا في حالة من التخلف والرجعة.
طبعاً من ناحية موضوعية براغماتية، هناك مصلحة أو على الأقل تفضيل غربي واسرائيلي أن تبقى الدول العربية متخلفة ومتأخرة عن ركب الحضارة، وتاريخ أجهزة المخابرات الغربية والموساد حافل بقضايا اغتيال لعشرات العلماء والمختصين العرب وخصوصا في علوم الفيزياء النووية وكل ما يتصل بالعلوم التطبيقة الحساسة التي لها علاقة بالصناعات الحربية والتكنولوجيا، ونحن هنا لسنا بصدد ذكر أمثلة وشواهد يمكن للقارئ المهتم ايجادها ببساطة في الانترنت.
ولكن هذا يقودنا للحديث عن واقع هجرة العقول بطريقة موضوعية وعن الواقع المزري الذي شكلناه نحن بانفسنا في عالمنا العربي، دون اي مساهمة من الغرب والموساد! فمثلاً واقع الفساد الذي تغرق فيه مؤسساتنا الحكومية من قمة الهرم الى قاعدته هي معلومة للجميع، والمحسوبيات والواسطات التي تمنع وصول الشخص المناسب الى المكان المناسب، بل تؤدي لوصول أشخاص لمناصب لا يستحقونها فقط بسبب القرابة أو الرشوة أو الولاء الشخصي او الديني او الحزبي.
كذلك البيئة الاجتماعية المنغلقة والمتعصبة في كثير من الدول العربية، ومن بينها طبعاً السودان، الذي عاش في ظل حكم اسلاموي اخواني متطرف لثلاثة عقود، حاربت خلالها السلطة العلم والعلماء الحقيقيين، واستبدلتهم ب "علماء" اللحى والخطابات المتطرفة الذين بدورهم قاموا ويقومون بتكفير واهدار دم العلماء والباحثين الحقيقيين بحجة "الالحاد" أو "العلمانية" أو فقط تنفيذاً لأوامر تأتيهم من السلطة السياسية بسبب كون العالم او الباحث او الكاتب انتقد السلطة ولو بمقالة صغيرة.

وكذلك هو الوضع بالنسبة لعدد كبير من الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وخصوصا قبل مجيء محمد بن سلمان، وحتى مصر التي رغم انها تعتبر دولة مدنية لحد ما، لكن الاسلاميين المتطرفين يشكلون فيها وزناً كبيرا ومؤثرا.
أما في الدول العربية ذات الانظمة العسكرية الديكتاتورية فتستبدل عصا شيوخ التكفير بعصا التخوين والعمل على تقويض الأمن القومي، وكل عالم او باحث يخاف من الاعتقال والسجن او حتى القتل بحجة ان اختراعه او بحثه يشكل تهديدا للأمن القومي او قد يفتح باباً للتجسس لصالح الاعداء!
وبعد أن يهاجر أصحاب الكفاءات والعلماء الى الغرب تلحقهم اتهامات الخيانة والتكفير وانهم باعوا وطنهم وأمتهم وأصبحوا يعملون لصالح الغرب. وحتى ان اراد احد منهم العودة يوما ما، حاملاً علمه الى وطنه الأم لكي يفيد به شعبه وبلده، فانه لا يجد اي تسهيلات او دعم لا من الحكومة ولا من المجتمع الذي ينبذه ويعتبره خارجاً عن الملة ومتعلمناً او ملحداً!

لذلك فالبيئة الاجتماعية السياسية في البلدان العربية هي بيئة منفّرة ونابذة لأي فكر تحرري او علم تطبيقي او اختراع! فاي عالم او حتى طالب جامعة متفوق يسعى الى ان يترك المجتمع العربي والسوداني حتى قبل ان يدعوه احد من الغرب للهجرة اليه! فالواقع الاجتماعي الذي نعيشه غير صالح لقيام نهضة فكرية او علمية وبالتالي من الطبيعي ان تسعى العقول النيّرة للهجرة الى الغرب الذي على عكس دولنا وحكوماتنا يفتح ذراعيه لذوي الخبرة والعلماء ويوفر لهم حرية العمل والبحث العلمي بالاضافة لهامش واسع من حرية التعبير نفتقده في بلادنا.
ناهيكم طبعاً عن الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب لدينا، حيث ان العالم او الباحث هو في النهاية انسان مثله مثل اي مواطن عادي يسعى للحصول على لقمة عيشة و ان يوفر الحياة الكريمة له ولأسرته، فان هو رأى ان بلده لا يؤمن له ذلك، في حين ان الدول الاوروبية تقدم له كل هذه الاحتياجات المادية فلا شك انه سيهاجر وليس عليه حرج.
ومن هنا نأتي الى المعقول، وما الذي يمكن ويجب فعله لكي نستقطب ذوي الكفاءات و نحفزهم للبقاء في بلدنا. طبعاً علينا محاربة الفساد في المؤسسات وفي مقدمتها العلمية والتعليمية منها، أي ان يتم تأهيل المعلمين والمدرسين في المدارس والجامعات بشكل اكاديمي وان يتم اختيارهم بناءً على الكفاءة وليس على التبعية لحزب او جماعة، ومحاربة ظاهرة التعيينات في المؤسسات الحكومة والبحثية على أساس الانتماء القبلي او القومي او الديني. لان هذه يؤدي الى وصول اشخاص غير مناسبين لأماكن حساسة.
فتخيلوا مثلاً مركز أبحاث ترأسه شخص وصل لمنصبه لانه قريب لوزير او ضابط او رئيس ما، ولكنه لا يفقه شيئاً بالابحاث والعلم! هذا سيؤدي الى كارثة في المؤسسة والمركز ككل. وفي نفس الوقت قد يكون هناك عالم او باحث كفوء لكنه يدرك جيدا ان علمه ومعرفته لن يوصلاه ليس فقط الى رئاسة مركز الابحاث، بل وحتى الى العمل فيه، لانه ليس بأخ الوزر او ابن عم الرئيس! فحتماً يبقى الحل الأمثل بالنسبة لهذا الباحث هو الهجرة الى بلد يُحترم فيه الكفاءات والعلم.
ايضاً يجب العمل على تغيير البيئة والمناخ الاجتماعي نحو الانفتاح والتسامح ونبذ التعصب الديني والانغلاق، بحيث لا يشعر اي عالم او مفكر انه منبوذ اجتماعيا او محارب بداعي علمانيته او الحاده. فالمعتقد يجب ان يكون حرية شخصية فردية، فمن اراد اختيار طريق العلم التجريبي والبحث في علم التطور الوراثي والأجنة مثلاً، فله ذلك، ومن أراد تكريس حياته للجوامع والنصوص الدينية له الحق بذلك أيضاً.
في الحقيقة يمكن الحديث عن مشكلة هجرة العقول من حيث الأسباب والحلول مطولاً ولن تكفي مقالة واحدة او عشرات المقالات للاحاطة بكافة جوانب هذه المشكلة، ولكن حل أي مشكلة يعتمد اولاً على الاعتراف بوجودها، وثانيا على التحليل الحقيقي الموضوعي الصحيح لها، وهذا ما حاولت القيام به ولو جزئيا في هذه المقالة عن طريق الابتعاد قدر الامكان عن نظرية المؤامرة وتبرير الفشل بالحديث عن الموساد والمؤامرة الاميركية الصهيونية كما يفعل الكثيرون! فالغرب يقوم فقط باستغلال الواقع والظروف المتخلفة ونقاط الضعف التي نحن نصنعها، ويستغل عقليتنا وطريقة تفكيرنا العاطفية.
وفي النهاية لا يسعنا الا ان نذكر القارئ بان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم. 


Комментарии

Популярные сообщения из этого блога

الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي

الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.

تداعيات كورونا