تداعيات لقاء البرهان مع نتنياهو

بات من الواضح اليوم حجم الانقسام الكبير في المجتمع السوداني حول لقاء البرهان مع نتنياهو في أوغندا، فلم يعد هذا الانقسام محصوراً فقط بالقوى والأحزاب السياسية السودانية فحسب، بل انقساما بالرأي لدى عامة الشعب السوداني بمختلف فئاته وشرائحه. لا شك أن مواقف الأحزاب والتيارات السياسية غالبا ما تخفي وراءها ليس فقط الاتجاه الايديولوجي العام، بل وأيضاً مصالح حزبية أو شخصية معينة، وذلك بغض النظر عن الموقف الذي يتخذه هذا الحزب أو ذاك حول قضية ما.
ونفس المبدأ ينطبق على الشارع السوداني، فالانسان السوداني البسيط من جهة لديه مصالح معيشية اقتصادية محددة، ومن جهة اخرى يشكل المجتمع السوداني جزءا من العالم العربي والاسلامي وبالتالي من الطبيعي ان تكون لديه قضايا ومواقف مشتركة مع هذين العالمين ومن بينها القضية الفلسطينية.
وبما أن الشعوب العربية هي شعوب عاطفية بطبعها، والعقل الجمعي لدينا حساس للغاية تجاه القضايا التي تمس بالمقدسات الدينية والقضايا المصيرية، فمن غير المستغرب أن نشهد ردات فعل متوترة وقوية على خبر لقاء البرهان مع نتنياهو والحديث عن التطبيع مع اسرائيل الذي تلى ذلك اللقاء.
لكن ما يهم هنا هو القيام بتشخيص سليم لحالة الانقسام الشعبي وتفسيرها منطقيا، فالمواطن السوداني يدرك جيدا ان الأزمة الاقتصادية الخانقة، والأزمات المعيشية اليومية من نقص الخبز والوقود وغيرها التي تمر بها البلاد مردها الى عدة عوامل، ومن أهم هذه العوامل هي العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي المفروض كنتيجة لوجود السودان على قائمة الدول الداعمة للارهاب، وليس خفياً على أحد ان الولايات المتحدة والغرب بشكل عام يضع التطبيع مع اسرائيل او على الأقل خفض العداء لها، شرطا أساسيا لرفع الحظر والعقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية فتح باب الاستثمارات، وهذا واقع لا يمكن التغاضي عنه أو تجاهله. ناهيكم عن صفقة القرن التي حتماً تدخل في أي مفاوضات سياسية اقتصادية مع دول المنطقة ومن بينها طبعا السودان.
وفي نفس الوقت فأن أغلب المواطنين السودانيين لديهم انتماء قومي وحسَ ديني يُنفرهم من فكرة اقامة اي علاقات مع اسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني الشقيق. وبالتالي فان المواطن السوداني يقوم بشكل واعي او حتى بشكل غير واعي بعملية مقارنة وموازنة بين الحاجة للقمة العيش اليومية والحياة الكريمة من جهة، وبين الانتماء العاطفي والذي يعني معاداة اسرائيل ورفض اي علاقات معها من جهة أخرى.
ان عملية المقارنة والموازنة تلك هي عملية شخصية ذاتية وفردية، وكذلك هو الاستنتاج الذي يصل اليه الانسان السوداني سواء تأييد الانفتاح على اسرائيل مقابل تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي ومستوى المعيشة، أو رفض اي علاقات مع اسرائيل حتى لو بقي السودان في أزمة اقتصادية واجتماعية وعزلة دولية. ولا يجوز بأي شكل من الأشكال تخوين اي سوداني لانه يسعى للعيش الكريم وللحصول على قوت يومه لاطعام عائلته، وفي الوقت نفسه يحق لكل سوداني ان يؤيد القضية الفلسطينية وان يكون داعماً للشعب الفلسطيني الشقيق.
لكن على مستوى الاحزاب والتيارات فالامر يختلف، فمثلاً يخرج علينا بكثرة أنصار وبقايا النظام السابق وجماعة الاخوان المسلمون وغيرهم من المتطرفين، ليقوموا بتخوين السلطة الحالية وتحريض المجتمع السوداني بحجة لقاء البرهان مع نتنياهو، ويحاولون رفع شعارات المقاومة ورفض التطبيع، رغم أنهم وطوال ثلاثين سنة لم يطلقوا سوى الشعارات الفارغة ولم يحرروا شبراً واحداً من الاراضي المحتلة، بل على العكس ادت سياساتهم الى خسارة السودان لجزء من اراضيه جراء انفصال الجنوب، الى جانب التدهور الاقتصادي والاجتماعي والاقتتال الداخلي الذي كاد ان يصل لحرب اهلية شاملة. وبالتالي يتوجب علينا أن نحذر من مثل هذه الجماعات التي تريد ان تصطاد في الماء العكر وتمارس النفاق السياسي على عادتها.
وأخيراً وليس آخراً يجدر بنا الذكر بأن غباء ودناءة النظام السابق وجماعة الاخوان، لا يعني ان السلطة الحالية والحكومة الانتقالية منزهين عن الخطأ أو انهم ملائكة من السماء، فحتما هناك قوى وشخصيات سياسية من بينها تلك الموجودة حاليا في السلطة، قد تحاول استغلال القضية الفلسطينية والمشاعر والعواطف السودانية الصادقة في هذا الخصوص من أجل صرف نظر السودانيين عن القضايا الملحة والازمات المعيشية اليومية، وتبرير الفشل في حل هذه الازمات والمشكلات.
وختاما لا يسعنا الا أن نؤكد على حق الشعب السوداني بالعيش الكريم، وحق السودان كبلد ودولة ان يملك سياسة مستقلة وان يقيم تلك العلاقات الدولية والاقليمية المناسبة التي تحقق له مصالحه في الداخل والخارج، وعليه يجب ايجاد حالة توازن بين السعي لتحقيق هذه المصالح والسعي لحفظ موقف السودان من القضية الفلسطينية.

Комментарии

Популярные сообщения из этого блога

الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي

الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.

تداعيات كورونا