الشعبوية السياسية ومفاهيمها وأنواعها عبر التاريخ
الشعبوية السياسية ومفاهيمها وأنواعها عبر التاريخ
الشعبوية هي
برنامج أو حراك سياسي يتحدث باسم المواطن العادي ضد النخبة الحاكمة، ولكن في حقيقتها هي وسيلة للاستيلاء على السلطة، وليست حلاً حقيقياً
للمشاكل. كثيراً ما تجمع الشعبوية عناصر من اليمين واليسار، فتراها تارة
تعارض الشركات وأصحاب المصالح المالية والتجارية الكبيرة وتارة تكون مضادة للأحزاب
الاشتراكية وأحزاب العمال القائمة.
الشعبوية إذاً هي مفهوم سياسي عام يصلح لوصف فلسفات سياسية معينة في اليمين أو
اليسار أو بعيداً عنهما كليهما، مثل الديمقراطية والاشتراكية
وأحزاب العمال والليبرتارية وحتى بعض أشكال الفاشية.
الشعبوية في أبسط أشكالها هي الاعتقاد بأن
سياسات الحكومة يجب أن تخضع لإرادة الجماهير بدلًا من مصالح النخبة، وتعد الديمقراطية أنقى
أشكال الشعبوية. لكن بشكل عام أصبح مصطلح الشعبوية يستخدم في
سياقات المعارضة اليمينية وأحياناً
المعارضة الثورية للنخبة التي تحوز مقاليد السياسة والاقتصاد في بلد ما. وتعارض شعبوية اليسار سلطة
الأغنياء والشركات الكبرى والرأسمالية والسلطة الدينية، بينما يدعي شعبويو اليمين أنهم يمثلون الرجل
العادي في مواجهة النخبة الفكرية والثقافية اليسارية.
·
أنواع الشعبوية:
بما أن الشعبوية شعار رفعته
العديد من الحركات السياسية ذات الأجندات المختلفة، ربما تزيد أنواع الشعبوية عما
يمكن ذكره، لكن بشكل عام إليكم أهم أصناف الشعبوية كما يراها المنظرون السياسيون:
1-
الشعبوية الفلاحية: وهي تشير إلى حراك الفلاحين
وحلفائهم من النقابات العمالية، مثل الحزب الشعبوي في أمريكا في تسعينات القرن
التاسع عشر الذي عارض القوانين والسياسات التي رأى فيها استغلالاً للفلاحين
والعمال لصالح أرباب السلطة.
2-
الشعبوية الديمقراطية: يشير هذا المصطلح إلى
الحركات الساعية لإشراك أكبر عدد ممكن من السكان في العملية الديمقراطية من خلال
الاستفتاءات وتسجيل الناخبين في القواعد الانتخابية.
3-
الشعبوية الرجعية: وهو مصطلح يصف شعبوية
اليمين المتطرف. وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسات المعادية للمهاجرين والوطنية
المتطرفة. حملة دونالد ترامب هي خير مثال على هذا النوع من الشعبوية. ولدى مثل هذه
الأحزاب أتباع كثر في العديد من الدول الأوروبية اليوم.
4-
الشعبوية الاشتراكية: وهي شعبوية اليسار الذي
يعارض الرأسمالية ويدعم الشيوعية أو الاشتراكية. لكن هذا المصطلح يستخدم تحديداً
في وصف الثورات والتمردات الاشتراكية في أمريكا اللاتينية.
5-
الشعبوية حراكاً: هي الحراك السياسي الذي
يتمتع بدعم جمهور الطبقة العاملة والفلاحين لكنه ليس ناتجاً عن سلطة تنظيمية
مستقلة نابعة من أي من هذين القطاعين. ويحظى كذلك بدعم شرائح مختلفة من خارج هذين
القطاعين ممن يحملون أيديولوجيا مناهضة للوضع القائم".
6-
الشعبوية أسلوباً: هو أسلوب سياسي ينطوي على
رابطة وثيقة بين القادة السياسيين وأتباعهم
7-
الشعبوية باعتبارها أيديولوجيا: هي كل طائفة أو حراك يقوم
على الأسس التالية: الفضيلة كامنة في البسطاء، الذين يشكلون الأغلبية المطلقة. وهي
الأيديولوجيا التي تحاول حشد جمع متجانس وفضيل ضد مجموعة من النخبة أو
"الآخرين" الذين يشكلون خطراً على حقوق الشعب وقيمه وهويته وازدهاره
وصوته.
8-
الشعوبية كإستراتيجية: هي استراتيجية سياسية يحاول
من خلالها الزعماء الشخصانيون ممارسة السلطة بناء على دعم مباشر وغير مؤسسي من عدد
كبير من الأتباع غير المنظمين.
9-
الشعبوية في الثقافة
السياسية: هي الاعتقاد بأنَّ السياسة الحكومية يجب أن تمثّل رغبات الناس وأنَّ الناس
لا يكونون أحراراً إلا حين يتطابق القانون وإرادتهم.
·
تاريخ الشعبوية:
لعل أول حركة شعبوية معروفة
في التاريخ هي فصيل غير رسمي في مجلس الشيوخ الروماني آمن أفراده بفكرة حشد
الجماهير ولجؤوا للاستفتاءات لتجاوز مجلس الشيوخ وكان من بينهم يوليوس قيصر وقيصر أغسطس.
ثم كان للشعبوية ظهور آخر في
أوروبا بعدها بقرون مع حركة الإصلاح الديني التي سمحت للرجل العادي بقراءة الإنجيل
وتأويله والتواصل مع الرب تواصلاً مباشراً دون وسيط. ثم تبعتها عدة مجموعات مثل
القائلين بتجديد العماد الذين اقترحوا تأسيس أنظمة شعبوية ثيوقراطية. ثم شهدت
أوروبا عدة ثورات شعبوية قائمة على الأفكار البروتستانتية في ألمانيا وبريطانيا في
القرنين السادس عشر والسابع عشر.
في القرن الثامن عشر انفجرت
الثورتان الأمريكية والفرنسية اللتان ارتدتا عباءة الشعبوية على الرغم من أنهما
كانتا تحت قيادة نخبة من المفكرين. في تسعينات القرن التاسع عشر تأسس أول حزب
شعبوي في الولايات المتحدة وكان عماده المزارعون وجماعات العمال الذين شعروا بأن
الرأسمالية الأمريكية تحابي نخبة صغيرة من الأغنياء الذين يتربحون عرق العامة.
وأكنوا حنقاً خاصاً تجاه سلطة المصارف وشركات السكك الحديدية.
خلال القرن العشرين استخدم
مصطلح الشعبوية لوصف حركات وقادة من مختلف الطيف السياسي من بينها الحزب التقدمي
الذي أسسه ثيودور روزفلت والمكارثية في الولايات المتحدة في خمسينات القرن العشرين
والثورات الاشتراكية الشعبوية في أمريكا اللاتينية، وحزب الشاي.
أشهر مثال معاصر على
القادة الشعبويين هو رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. بل إن هذا الاهتمام
الجديد بالشعبوية نتج عن فوزه في انتخابات عام 2016. إحدى الطرق التي يقيس بها
الباحثون مدى الشعبوية ويحددون إذا كان زعيم ما أو حزب شعبوي أم لا هي اللغة.
كان خطاب ترامب خلال حملته
الانتخابية شعبوياً للغاية. هاجم النخب السياسية، بلغة تتمحور حول الشعب وأكثر من
استخدام ضمائر الجمع مثل نحن ولنا. جمع بين لغته الشعبوية وأيديولوجيته اليمينية
المتطرفة لينتج سياسات مثل "أمريكا أولاً" وبناء جدار بين
الولايات المتحدة والمكسيك وسياسات اقتصادية حمائية ومعادية للعولمة.
سمح له هذا الخلط بين الخطاب
الشعبوي وهذه السياسات برسم خط فاصل بين الشعب والمجموعات الخارجة عن هذا الشعب
مثل المسلمين والمكسيكيين والمهاجرين وغيرهم.
إلى جانب ترامب، يمثل
البريكسيت أيضاً مثالاً معاصراً على الشعبوية، بسبب معاداته للنخبة في الاتحاد
الأوروبي ولجوئه للاستفتاء الشعبي للتعبير عن "إرادة الشعب". في أمريكا
الجنوبية، ارتبطت الشعبوية باليسار. كان هوجو تشافيز رئيس فنزويلا السابق شعبوياً
للغاية في خطاباته، ولعله يمثل أشهر مثال على الزعماء الشعبويين اليساريين.
تركزت شعبوية تشافيز حول
القضايا الاجتماعية والاقتصادية. حتى أثناء حكمه صور نفسه معاديًا للمؤسسة
السياسية ونخبتها العامة، محولًا عائدات النفط لتمويل البرامج الاجتماعية بهدف
توزيع الثروة بين الشعب الفنزويلي لمكافحة الفقر وتعزيز الأمن الغذائي.
ومن الشعبويين الذين وصلوا إلى السلطة زهير بولساو،
فيليكس تشيسيكيدي ، و بترو بوروشينكو.
·
نقد الشعبوية:
يتجسَّد معظم النقد الموجه
للشعبوية في الوقت المعاصر، في منتج وخطاب بعض وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث
الليبرالية أو المنحازة لليسار الديمقراطي وبعض أحزاب الوسط، ويرى هؤلاء أن الخطاب
الشعبوي، على الأقل في موجته الجديدة، يستغل البسطاء والناس العاديين، والبيض
المتضررين من التحولات الصناعية والأتمتة، من أجل الوصول إلى السلطة، وإنجاز مقولة
قومية شوفينية.
تتجلى الأزمة في الطرح
الشعبوي، سواء في شقه اليميني أو اليساري، أنه أثناء إنتاجه لبروبغاندا الانحياز
المباشر للشعب، يفرض تعريفات حاسمة لما هو هذا الشعب، بشكل مهموم بالنقاء
والأهلانية، ولعل النتيجة الأوضح لذلك هو السياسات المعادية للاجئين ولأي موجات
هجرة.
مع ذلك، فإن نقد الأوساط
الليبرالية واليسار الديمقراطي للشعبوية، لا يبدو واضحاً في كثير من الأحيان، إذ
يبقى السؤال هل يرفض هؤلاء التواصل السياسي المباشر مع الشعب، أم عواقب المد
الشوفيني لبعض الأحزاب الشعبوية؟ كما أنه يبدو نقداً محمّلاً بمدلولات نخبوية، ترى
أن "البسطاء" يمكن استخدامهم وتوظيفهم بسهولة لإنتاج تصور عنصري، دون
التطرق إلى النتائج الوخيمة على فئات اجتماعية عديدة، تسببت بها النخب الحاكمة في
الغرب ما بعد الحرب العالمية الثانية.
Комментарии