الموازنة الاقتصادية للسودان لعام 2020 تحسم النزاع حول أهلية الحكومة الانتقالية

مع انتهاء العام الحالي، ومضي عدة أشهر على الإطاحة بحكم البشير في السودان، وتسلّم عبد الله حمدوك لرئاسة مجلس الوزراء، الذي قام بتشكيل الحكومة الانتقالية، حيث بدأت تنعقد الآمال تباعاً عليها، حيث كانت من المفترض أن تكون بوابة الإنقاذ للانتقال بالسودان لعهد جديد على كافة الأصعدة، من خلال حكومة ملتزمة بسلم أولويات لا يمكن تجاوزه، بدءاً من الواقع المعيشي وانتهاءاً بالأحوال الأمنية في البلاد.
وتوالت الشهور تباعاً، والعديد من الأخطاء كانت تتصدر أعمال هذه الحكومة، واليوم لربما كانت خيبة أمل السودانيين كبيرة للغاية بعد البدء بالتلويح بالقرارات الاقتصادية للعام الجديد 2020، فمنذ أيام بدأ وزير المالية التلويح بالاستقاله من منصبه على خلفية الموازنة الجديدة وذلك على خلفية الخلافات والانتقادات التي نشبت بسببها.
حيث أعلن الدكتور ابراهيم البدوي، ميزانية عام 2020، متضمنةً تقليصاً تدريجياً لدعم الوقود كما تضمنت رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 100 بالمئة وتوفير 250 فرصة عمل للشباب والخريجين لتقليص معدلات البطالة. وفي وقت سابق، رفضت قوى "الحرية والتغيير"، مسودة الميزانية، التي قدمها قدمها وزير المالية، وعُقدت في الأيام الماضية اجتماعات بين الحكومة، وممثلي التغيير، لعرض ومناقشة بنود الموازنة، وسيطرت مسألة تقليص الدعم على تلك المناقشات.
في الوقت ذاته أعلن "تجمع المهنيين السودانيين" وهو أكبر مكون لتحالف قوى الحرية والتغيير، في بيان له صباح السبت، رفضه الموازنة المقدمة من وزير المالية في حكومة حمدوك، مطالباً مجلسي السيادة والوزراء عدم المضي في إجازة الموازنة بصورتها الراهنة، تجنباً لوضع العراقيل أمام حكومة الثورة وعزلها جماهيرياً، وأبرز مايميز هذه الموازنة المقترحة:
التركيز على خفض الإنفاق المرتبط بجهاز الدولة المترهِّل، وخفض الإنفاق الأمني والعسكري، ورفع الدعم وهو مايتعارض مع موجهات دعم القوة الشرائية للمواطن وخفض التضخم، حيث تبدو تقديرات الموازنة عن مستوى التضخم المتوقع في 2020 غير واقعية على الإطلاق، فالتضخم الناتج عن رفع الدعم، مع الزيادة المزمعة في عرض النقود، سيتجاوز على الأرجح ثلاثة أضعاف توقع الموازنة.

وهنا يبدو لنا واضحاً المخاطر المفصلية التي تواجه حكومة حمدوك، فإما أن تتولى هذه الحكومة مسؤولية إنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور من خلال رفع الدعم والإعانات، أو الإبقاء عليها وهو ماسيؤدي في الحالتين لسخط شعبي كبير، يودي في النهاية لحجب الثقة عنها، أو لربما هناك خيار آخر أمام هذه الحكومة يستطيع التوفيق بين جميع الأطراف، وبالتالي النهوض بالمستقبل الاقتصادي والمعيشي للسودان.
من خلال ماسبق نجد أنَّ هناك حالة من الترقب سيشهدها السودان في الفترة المقبلة، ستكون الفيصل في حسم النزاع حول أهلية الحكومة الانتقالية الحالية في تولي مسؤولية إنقاذ السودان والأوضاع المتدهورة فيه.

Комментарии

Популярные сообщения из этого блога

الشغب في ملاعب كرة القدم كمثال لبدائية العقل الجمعي

الزيادة السكانية: بين التكاثر الغرائزي العشوائي والبناء العقلاني للأسرة.

تداعيات كورونا